محمد رأفت سعيد
24
تاريخ نزول القرآن الكريم
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) [ الزخرف ] فمسألة الرزق - إذن - بيد الرزاق ذي القوة المتين وحده وقد قسمه بين خلقه فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، وأمرنا بالسعي والحركة والعمل الجاد النافع ، ليكون جلب هذه القسمة حلالا يوافق ما يرضيه سبحانه ، ولن يموت الإنسان إلا وقد استوفى ما كتب الله له من رزق ، وما قدر له من مأكول ومشروب وملبوس وغيره . فإذا كان الأمر كذلك فليطمئن الإنسان إلى هذا الوعد الكريم الذي جاء في هذه الصورة من صور الوحي ، ويتقى الله ويجمل في الطلب ، أي لا يطلب هذا الرزق المقسوم إلا من طريق جميل أحله الله ، ومن كسب مشروع أباحه الله ، على أن الإنسان يخطئ عندما لا يفرق بين رزق حلال يغطى حاجاته ومسئولياته وما يتزين به في حياته ، وهذا يكفيه الحلال ؛ لأن حاجات الإنسان محدودة ؛ فليست له أكثر من بطن للطعام والشراب ، وبدنه محدود ، وحاجاته إذن محدودة يغطيها ما أحل الله من رزق ، ولكن ينسى الإنسان ولا يفرق بين هذا المعنى وبين جمع المال وتكثيره حتى يصير حبه للمال حبا جما يدفعه إلى طلب المزيد منه للتكاثر فقط ، وعندئذ لا يبالي ؛ من حلال جمعه أم من حرام . فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : انتهيت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) [ التكاثر ] ، قال : « يقول ابن آدم مالي ، وهل لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » . أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد « 1 » . وهذا الجمع الكثير للمال وبهذه الكيفية ؛ أي بغير مبالاة من حرام أم من حلال يدل على حماقة وجهل بحقائق الأمور ؛ فإنه بهذا الحب يجمع الكثير ويبخل به فلا ينفق احتسابا في وجوه البر ، وقد لا ينفق على نفسه ، فيصير هذا الجمع لغيره ، ويصبح هم الطلب له ، والانتفاع بالمال لغيره ، وعليه بعد ذلك حمل السؤال عنه ، ويتضح لنا هذا المعنى من السؤال النبوي الكريم الذي وجهه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لأصحابه في قوله : « أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه ؟ » قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه ، قال : « اعلموا ما تقولون » ، قالوا : ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله ، قال : « ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله » ، قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : « إنما مال أحدكم ما قدّم ، ومال وارثه ما أخّر » . حديث صحيح « 2 » . فإذا أدرك الإنسان هذه الحقائق ، وعرف قسمته ، وأنها بيد خالقه اتقى الله واكتفى
--> ( 1 ) انظر : شرح السنة النبوية 14 / 258 . ( 2 ) شرح السنة 14 / 259 ، 260 .